الاثنين، 21 فبراير 2011

ارحل يا حسني وعارك في يديك ..فاروق جويده



 ارحل يا حسني وعارك في يديك ..فاروق جويده
ارحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
ارحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
ارحل فإني ما أرى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر أمّا تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك
ارحل وحزبك في يديك
ارحل بحزب امتطى الشعب العظيم
وعتى وأثرى من دماء الكادحين بناظريك
ارحل وفشلك في يديك
ارحل فصوت الجائعين وإن علا لا تهتديه بمسمعيك
فعلى يديك خراب مصر بمجدها عارا يلوث راحتيك
مصر التي كانت بذاك الشرق تاجا للعلاء وقد غدت قزما لديك
كم من شباب عاطل أو غارق في بحر فقر وهو يلعن والديك
كم من نساء عذبت بوحيدها أو زوجها تدعو عليك
ارحل وابنك في يديك
إرحل وابنك في يديك قبل طوفان يطيح
لا تعتقد وطنا تورثه لذاك الابن يقبل أو يبيح
البشر ضاقت من وجودك.. هل لابنك تستريح؟
هذي نهايتك الحزينة هل بقى شيء لديك؟
ارحل وعارك أي عارْ
مهما اعتذرتَ أمامَ شعبكَ لن يفيد الاعتذارْ
ولمن يكونُ الاعتذارْ؟
للأرضِ.. للطرقاتِ.. للأحياءِ.. للموتى..
وللمدنِ العتيقةِ.. للصغارْ؟!
ولمن يكونُ الاعتذارْ؟
لمواكب التاريخ.. للأرض الحزينةِ
للشواطئِ.. للقفارْ؟!
لعيونِ طفلٍ
مات في عينيه ضوءُ الصبحِ
واختنقَ النهارْ؟!
لدموعِ أمٍّ لم تزل تبكي وحيدا
فر أملا في الحياة وانتهى تحت البحار
لمواكبِ العلماء أضناها مع الأيام غربتها وطول الانتظارْ؟!
لمن يكون الاعتذار؟
**
ارحل وعارك في يديكْ
لا شيء يبكي في رحيلك..
رغم أن الناس تبكي عادة عند الرحيلْ
لا شيء يبدو في وجودك نافعا
فلا غناء ولا حياة ولا صهيل..
ما لي أرى الأشجار صامتةً
وأضواءَ الشوارعِ أغلقتْ أحداقها
واستسلمتْ لليلِ في صمت مخيف..
ما لي أرى الأنفاسَ خافتةً
ووجهَ الصبح مكتئبا
وأحلاما بلون الموتِ
تركضُ خلفَ وهمٍ مستحيلْ
ماذا تركتَ الآن في أرض الكنانة من دليل؟
غير دمع في مآقي الناس يأبى أن يسيلْ
صمتُ الشواطئ.. وحشةُ المدن الحزينةِ..
بؤسُ أطفالٍ صغارٍ
أمهات في الثرى الدامي
صراخٌ.. أو عويلْ..
طفلٌ يفتش في ظلام الليلِ
عن بيتٍ توارى
يسأل الأطلالَ في فزعٍ
ولا يجدُ الدليلْ
سربُ النخيل على ضفافِ النيل يصرخ
هل تُرى شاهدتَ يوما..
غضبةَ الشطآنِ من قهرِ النخيلْ؟!
الآن ترحلُ عن ثرى الوادي
تحمل عارك المسكونَ
بالحزب المزيفِ
حلمَكَ الواهي الهزيلْ..
***
ارحلْ وعارُكَ في يديكْ
هذي سفينَتك الكئيبةُ
في سوادِ الليل تبحر في الضياع
لا أمانَ.. ولا شراعْ
تمضي وحيدا في خريف العمرِ
لا عرش لديكَ.. ولا متاعْ
لا أهلَ.. لا أحبابَ.. لا أصحابَ
لا سندا.. ولا أتباعْ
كلُّ العصابةِ تختفي صوب الجحيمِ
وأنت تنتظرُ النهايةَ..
بعد أن سقط القناعْ

حكم مدافعة البلطجية الذين يعتدون على الناس ..


حكم مدافعة البلطجية الذين يعتدون على الناس  ..
 بقلم: أ.د. عبد الرحمن البر
السؤال: من دافع بلطجيًّا واضطر لاستخدام آلة حادة، أو تسبب القتل في مدافعته هل يدخل في الوعيد الشرعي الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ". 
الإجابة: قال ابن حجر في الفتح (تعليقًا على هذا الحديث):
"مَنْ قَاتَلَ أَهْل الْبَغْي أَوْ دَفَعَ الصَّائِل فَقُتِلَ فَلا يَدْخُل فِي هَذَا الْوَعِيد لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْقِتَال شَرْعًا".
 ودفع الصائل هو "الدفاع الشرعي عن الأهل والمال والعرض والبيت أو الوطن، أو هو الدفاع المشروع عن الغير في كل هذه الأمور". 
والصّيال حرام، لأنّه اعتداء على الغير، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: من الآية 190).
 وقول الرّسول صلى الله عليه وسلم: "كلّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه".
 والاستسلام للصائل حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195)، فالاستسلام للصّائل إلقاء بالنّفس للتّهلكة، لذا كان الدّفاع عنها واجبًا. ولقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (الأنفال: من الآية 39).
 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي، قَالَ: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَك، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ"، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ، وَفِي لَفْظِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ عَدَا عَلَى مَالِي؟ قَالَ: "أَنْشِدْ اللَّهَ"، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: "أَنْشِدْ اللَّهَ"، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: "قَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ".
 وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
 وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
 وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
فهذه النصوص وغيرها تدل بوضوح على وجوب الدفاع عن النفس والعرض والمال أمام البلطجية وقطاع الطرق الذين يتعرضون للآمنين.
 حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ أَوْ نَفْسُهُ أَوْ حَرِيمُهُ فَلَهُ الْمُقَاتَلَةُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلا دِيَةٌ وَلا كَفَّارَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، إلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ". (نيل الأوطار).
 وقد استنهض الإسلام عزائم المؤمنين للدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: من الآية 75).
 ومن مسائل الْإِجْمَاعِ: أَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَر سِلاحًا لِيَقْتُلهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسه فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لا شَيْء عَلَيْهِ.
وقال في الفتح: "وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز دَفْع الصَّائِل وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْس الْمَدْفُوع".
 كما ذكر ابن حجر في الفتح مشروعية دَفْع الصَّائِل وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِن الْخَلاص مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسه أَوْ عَلَى بَعْض أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا.
قال ابن جرير في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (أخرجه أحمد عن ابن عباس والنسائي عن سويد بن مقرن):
 "هذا أبين بيان وأوضح برهان على الإذن لمن أريد ماله ظلمًا في قتال ظالمه والحث عليه كائنًا من كان؛ لأن مقام الشهادة عظيم، فقتال اللصوص والقُطَّاع مطلوب، فتركه من ترك النهي عن المنكر، ولا منكر أعظم من قتل المؤمن وأخذ ماله ظلمًا" (فيض القدير). 
التكييف الشرعي لدفع الصائل: اختلفوا هل هو واجب على المدافع، أم هو حق له؟ والقول بالوجوب فيما يتصل بالنفس والعرض قول أكثر أهل العلم. أما الدفع عن المال فأغلب الفقهاء يرونه جائزًا لا واجبًا. 
والفرق بين الواجب والحق: أن الحق يتضمن التخيير بين الفعل والترك، والواجب لا تخيير فيه؛ كما أن صاحب الحق لا يعتبر آثمًا بالفعل أو الترك، أما تارك الواجب فآثم شرعًا.
وبعض العلماء يفرقون بين حالة الفتنة وغيرها، ويجعلون الدفاع جائزًا مطلقًا في حالة الفتنة، أما في غير حالة الفتنة فيجعلونه واجبًا مطلقًا. 
شروط دفع الصائل: حتى لا يكون الأمر سببًا لإثارة فتن في المجتمع فقد استنبط العلماء من النصوص السابقة شروطًا لدفع الصائل يجب توفرها حتى يعتبر المصول عليه في حالة دفاع، وهذه الشروط هي:
 أولاً: أن يكون هناك اعتداء، أو عدوان، أما إذا كانت السلطات العامة تطبق واجباتها من القبض على متهم، أو تفتيشه، أو تنفيذ عقوبة محددة في محكوم عليه فهذا أمر مشروع، بل قد يكون واجبًا.
 ثانيًا: أن يكون هذا الاعتداء حالاً، أما أن يكون مجرد تهديد لفظي دون وقوع اعتداء فلا يجوز دفعه باستعمال القوة ضد القائم بالتهديد، إلا إذا غلب على الظن أنه سينفذ تهديده فعلاً.
 ثالثًا: أن لا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا أمكن الاحتماء برجال السلطة العمومية في الوقت المناسب أو استطاع المصول عليه أن يمنع نفسه أو يمتنع بغيره دون استعمال القوة والعنف فليس له أن يستعملها. 
رابعًا: أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة لدفعه، فإذا أمكن دفع الصائل مثلاً بالصياح والاستغاثة لم يدفع باليد، وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث دفعه باليد، فإن لم يندفع باليد دفعه بالعصا، فإن لم يندفع بالعصا دفعه بالسلاح، فإن لم يندفع إلا بإتلاف عضو دفعه بإتلاف عضو، فإن لم يندفع بالقتل دفعه بالقتل. هذا والله أعلم.
-----------------
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الأربعاء، 19 يناير 2011

إذا الشعب يوما أراد الحياة


إذا الشعب يوما أراد الحياة

إذا الشعب يوما أراد الحياة  فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي   ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة   تبخر في جوها واندثر
كذلك قالت لي الكائنات  وحدثني روحها المستتر
ودمدمت الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر
إذا ما طمحت إلى غاية ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب وضجت بصدري رياح أخر
وأطرقت أصغى لقصف الرعود وعزف الرياح ووقع المطر
وقالت لي الأرض لما سالت: يا أم هل تكرهين البشر ؟
أبارك في الناس أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان ويقنع بالعيش ، عيش الحجر
هو الكون حي يحب الحياة ويحتقر الميت مهما كبر
وقال لي الغاب في رقة محببة مثل خفق الوتر
يجيء الشتاء شتاء الضباب شتاء الثلوج شتاء المطر
فينطفئ السحر سحر الغصون وسحر الزهور وسحر الثمر
وسحر السماء الشجي الوديع وسحر المروج الشهي العطر
وتهوي الغصون وأوراقها وأزهار عهد حبيب نضر
ويفنى الجميع كحلم بديع تألق في مهجة واندثر
وتبقى الغصون التي حملت ذخيرة عمر جميل عبر
معانقة وهي تحت الضباب وتحت الثلوج وتحت المدر
لطيف الحياة الذي لا يمل وقلب الربيع الشذي النضر
وحالمة بأغاني الطيور وعطر الزهور وطعم المطر

أبو القاسم الشابى

الاثنين، 17 يناير 2011

وظائف الرعاة


وظائف الرعاة  ..  بقلم: د. حسن المرسي
الإسلام دين النظام فقد جاء ليحكم الحياة من جميع نواحيها، وهو كذلك دين التناسق الذي جاء ليهتم بجوانب الحياة باعتدالٍ لا يزيد في جانبٍ على حساب آخر، وهو دين الشمول؛ حيث غطى الحياة كلها برحمته وتوازنه ونظامه ودقته فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وله فيها قول وأمر ونهي. 
ومن كمال نظام الإسلام وتمام تناسقه وعظمة شموله أنه لم يجعل مجموعة من البشر تعيش بلا أمير يرعاهم وينظم شئونهم وتحتكم إليه في أمور دنياهم، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا نزلت ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنه..".
 ذلك لنعلم أن الإسلام لا يقر الفوضى، ولا يدع الأمة المسلمة بدون إمام، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "اعلم أن الشريعة أصل والملك حارس، وما لا أصلَ له فهو مهدوم وما لا حارسَ له فضائع"، فالحاكم أو الأمير أو الوالي أو السلطان أو الرئيس أو الملك، هو مسئولٌ بين يدي الله تعالى، وهو أجيرٌ عند الناس وعامل لديهم؛ لذلك فإن الإسلامَ أوجب للأمة أميرًا أو حاكمًا، وأوجب وأوضح مع ذلك وظيفته ومهمته.
ومن أبرز وأوضح هذه الوظائف والمهام للراعي على سبيل الإجمال ما يقوله الحسن البصري:
 "الحاكم كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع، ويكنها عن الحر والبرد، وهو كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارًا، ويعلمهم كبارًا، ويكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته، وهو كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهًا ووضعته كرهًا وربته كرهًا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارةً وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته، وهو وصي الأيتام.. وخازن المساكين.. يربي صغيرهم، ويعطي كبيرهم، وهو كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده".
 وعلى سبيل التفصيل مهمة الراعي ووظيفته كالآتي:
1- قضاء حوائج الرعية وعدم الاحتجاب دونهم: عن أبي مريم الأزدي- رضي الله عنه- أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم.. احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة"، فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس، فلا أبراج عاجية ولا حواجز ولا فواصل، وإنما اقترب من الرعية وحياتهم ومشاكلهم. 
2- النصح للرعية: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيَّع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".
 عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: "اللهم مَن ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومَن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به"، وعن أبي يعلي معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة"، وفي رواية "فلم يحطها نصحًا لم يجد رائحة الجنة" (متفق عليه)
 لذلك قال عمر بن الخطاب حين ولي الخلافة: "أيها الناس.. قد وليتُ عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم اضطلاعًا بما ينوب من مهمة أموركم ما تولينا ذلك منكم".
 3- خطورة غش الراعي لرعيته: يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يسترعي الله تبارك وتعالى عبدًا رعيةً فيموت يوم يموت وهو لها غاشٌّ إلا حرَّم الله عليه الجنة"، وفي رواية "فهو في النار" (رواه البخاري ومسلم).
فما أشد أن يغش الراعي ويفسد ويدلس ويزور.. فما دخل الغش في أمرٍ إلا أفسده حتى تفسد الحياة كلها.
4- يقوم بحق الأمانة: عن بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، والإمام راعٍ ومسئول عن رعيته.." (متفق عليه).
 5- العدل بين الرعية: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله.. إمام عادل.."، وإن الأمةَ لا تحتاج إلى شيء من الأخلاق أفضل وأكبر من احتياجها إلى العدل فبه تحيا الأمة وتشرق الأيام ويعلو الحق ويزهق الباطل.
جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة"، ويقول سفيان الثوري: "صنفان إذا صلحا صلحت الأمة، وإذا فسدا فسدت الأمة.. السلطان والعلماء"، ويقول الحسن البصري عن الإمام العادل: "الإمام العادل: قوام كل مائل، وقصد كل حائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده".
أبشر أيها الإمام العادل: فلكل إمام وحاكم وسلطان عادل أن يستبشر بكلام خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم"، وعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحدٌّ يُقام في الأرض بحقِّه أزكي فيها من مطر أربعين صباحًا"
 نماذج من الشفقة بالرعية والعدل بينهم:-
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعدل ويطلب العدل حتى في الأب الذي يعطي العطية لأولاده.. لما رأى رجلاً يعطي أحد أولاده فقال: "هل أعطيت كل أولادك؟"، وعدل حتى في العواطف والمشاعر؛ فالقُبلة للولد لا بد أن يتساوى معه باقي الأولاد.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب المثل في العدل.. عندما وقف يصف الصفوف في بداية معركة بدر وضرب بعصا صغيرة كانت معه بطن الصحابي "سواد" فقال "سواد": أوجعتني يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "هذه بطني فلتقتص مني.."، وكان منه ما كان.
الخلفاء والصحابة:
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتحسس فيسمع صوت أنين امرأة ومعها رجل فسأل فقال زوجها: هي في المخاض وليس عندها أحد يصلح شانها.. فيذهب عمر- رضي الله عنه- إلى زوجته (أم كلثوم) لتكون بجوارها، ويوقد عمر النار وينفخ فيها ليجهز للمرأة طعامًا وماءً حتى يتخلل الدخان لحيته رضي الله عنه.
- غضب عثمان بن عفان على غلامٍ عنده ففرك أذنه بأصبعيه فتألَّم الغلام فتذكر عثمان قصاص الآخرة فنادى عليه عثمان وجلس بين يديه وألحَّ عليه أن يقتص منه فكبر ذلك على الغلام فعزم عليه عثمان (أمره) فاضطر الغلام على كُرهٍ منه تنفيذ أمر الأمير.. فأمسك الغلام بإذن أمير المؤمنين عثمان وشدَّ عليه بإصبعيه، وأمر عثمانُ أن يشدَّ أكثر وأكثر على أذنه قائلاً له: "إن قصاصَ الدنيا أهون من قصاص الآخرة".
- يقول جرير بن عبد الله البجلي أن رجلاً كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا صوت ونكاية في العدد (أي كان قويًّا شجاعًا)، فغنموا مغنمًا (أبو موسى والرجل) فأعطاه أبو موسى بعض سهمه ولم يُوفِّه حقه، فأبى الرجل أن يقبل حقه منقوصًا.. فجلده أبو موسى، وحلق شعره، فجمع الرجل شعره وذهب إلى عمر بن الخطاب ثم ضرب بشعره صدر عمر وقال: "أما والله لولا النار لصنعتُ بعاملك ما صنعت".. ثم حكى له ما صنع أبو موسى.. فكتب عمر إلى أبي موسى أن يُمكِّن الرجل من أن يقتصَّ منه إذا كان ما حدث صحيحًا.. فقدم الرجل بكتاب عمر.. فقال له الناس: اعفُ عنه. فقال: لا والله لا أدعه لأحدٍ من الناس.. فلما قعد أبو موسى ليقتص الرجل منه رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال: "اللهم إني قد عفوت عنه"، لتتعلم الدنيا كلها من العدل.. وكيف يكون الحكم.
- وما قصة ابن عمرو بن العاص الذي سبقه القبطي منا ببعيد، وذهب القبطي لعمر.. ورد إليه اعتباره وقال له: "اضرب بن الأكرمين" لتعلم الدنيا أيضًا.
- وهذا اليهودي الذي هزَّ جميعَ أركانه عدلُ القاضي شريح، عندما حكم له ضد علي بن أبي طالب في الدرع، إلى غير ذلك من نماذج نحتاجها في عالمنا حتى يعم العدل وتنعم البشرية ويسود الحب وتتقدم البلاد ويسعد العباد.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).