الاثنين، 11 يوليو 2011

هل جربتها ؟!


هل جربتها ؟!
من منا لايريد إنشراحاً في صدره ؟ من منا لايريد بركة في رزقه ؟ من منا لايريد طولأ في عمره ؟
من منا لايريد رفعة في درجاته ؟ من منا لايريد الفوز بخيري الدنيا والآخرة ؟
كلنا نريد ذلك وأكثر من ذلك ، وهذا أمر مألوف لمسلم عالي الهمة ، يبحث عن الأفضل دائماً ويبحث عن الرقي الروحي والمعيشي في الدنيا والآخرة .
ليس عيب أن نطمح لرزق حلال بل هو خير من سؤال الناس وطرح حوائجنا ببابهم .
ليس عيب أن نطلب طولا ًفي العمر إن أردنا بذلك التزود من الطاعات وتكثير الحسنات ونشر للخير لنرقى في أعالي الدرجات .
ليس عيب أن نبحث عن رفعة في الدرجات في يوم تزيد الحسنات المؤمن فرحاً ورفعة وأما السيئات فخسران وحسرة .
ليس عيب أن نطمح للفوز العظيم ، فوز بخير في الدنيا وخير في الآخرة .
أمور نريدها بل نريد أكثر منها ، لعلمنا أن لنا ربا كريم يجازي بالقليل الكثير ويوفي الأجر بزيادة دون نقصان
ومن أراد ذلك عليه أن يبحث عن السبيل لذلك وهناك سبل كثيرة دلنا عليه المبعوث رحمة للعالمين ، محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام فكانت هناك إجابات شافية لمن بحث عن السبل ، ستجدها في كتاب الله وسنة رسول الله .
ومن تلك السبل الصدقة ، فهي للداء دواء ، وللقلب إنشراح وللرزق بركة وللعمر طولا .
الصدقة عمل بر وعمل خير تجد أثره في الدنيا والآخرة .
ترى بعين بصرك مالك ينقص ولكن بعين بصيرتك تعرف أنه يزيد ، ذخراً لك في الآخرة وبالفعل هو زيادة وبركة لمالك في الدنيا .
ومايذهب ليس ماتتصدق به كن على يقين بذلك ، مايذهب هو ماتتدخره !
نعم مالك إما أن تذهب عنه أو يذهب عنك ، أما الصدقة فهي لك ، ولما سأل النبي عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها. قال: { بقي كلهاغير كتفها } [في صحيح مسلم].
وللصدقة أثر عجيب وقصص عجيبة .
يقول صاحب القصة : كان لي معاملة في دائرة ما وقد عانيت بين ذهاب وإياب وموظف يتحدث معي بكثير من التعالي وقد ضقت ذرعاً من هذه المعاملة التي كانت مصدر تعاسة لي .
يقول كالعادة كنت متوجه لتلك الدائرة ووجدت عجوز أرهقتها الدنيا ودفعها الفقر دفعاً لطلب الناس ، فدفعت لها مبلغ بسيط وانطلقت دعوة أحسستها من قلبها صدرت روح ربي ينور لك ويفتح عليك .
يقول صاحب القصة ، فأحسست بإنشراح الصدر وتوجهت للسؤال عن المعاملة فوجدت الموظف بنفس غير النفس الأولى وتعامل غير التعامل الأول وكنت مستغرب ماالذي حدث وغيره ، وبالفعل أنجزت المعاملة في نفس الوقت ورجعت وأنا أشكر الله عز وجل اولاً ثم تلك العجوز التي أصبحت أبحث عنها حتى أقدم لها ولو شيء من الكثير الذي أعطانا الله إياه .
وأقول أنا هذا شيء متوقع فمن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ذلك اليوم العظيم ومن باب أولى وهو الكريم سبحانه أن يفرج عنك من كرب هذه الدنيا الفانية .
وآخر يقول كنت أتصدق بريال كلما شاهدت فقير أمامي وكانت محفظة نقودي لاتكاد تخلو من الريالات وكنت ألحظ بركة عجيبة في مالي وإنشراح في صدري كلما بادرت بالتصدق رغم أن ماأتصدق به هو مبلغ زهيد جداَ .
وموقف شخصي حصل معي ، خرجت ذات يوم بسيارتي وصادفت إمرأة مسكينة فبادرت بإعطائها ماكتب الله من ماله الذي أودعنا إياه وكنت بالعفل مسرعاً وفجأة توقفت عند محطة بنزين وبالتحديد في محل غيار الزيت وطلبت من العامل تغيير زيت السيارة وبعد أن قام بتغيير الزيت قام بفحص الإطارات وقال لي بالحرف الواحد الإطارات الخلفية في حالة سيئة ولو تحركت مسافة بسيطة فهي معرضة للإنفجار ولو كنت مسرعاً كان الأمر أخطر ولكن الله لطف بك جعلك تقف وتفحصها .
فقلت سبــحان الله لطفه بنا عجيبه وحمدت الله على نعمة العظيمة علينا وكنت متقين أنها بركة من بركات الصدقة
ولو إستعرضنا قصص في هذا الباب لما فرغنا ولكن هي عجيبة نعم الصدقة عجيبة وأمرها عجيب  فهل جربتها ؟!
ومن صور الصدقة : الصدقة الخفية وهي أقرب للإخلاص والصدقة في حال الصحة والقوة والصدقة التي تكون بعد أداء الواجب والإنفاق على الأولاد والبنات والصدقة على الجار والقريب وغيرها .
ومن صور الصدقة الجارية : سقي الماء وحفر الآبار وإطعام الطعام وبناء المساجد ونشر العلم وغيرها
وأفضل الأوقات في رمضان والعشر من ذي الحجة ويومُ يكون الناس فيه في شدة وحاجة .
أخي الحبيب
إن كنت ممن جربها فقد تكون أدمنتها بالفعل وإن لم تكن ممن جربها فجربها ؟ .
جربها لتطفئ غضب الرب سبحانه فقد قال عليه الصلاة والسلام {إن صدقة السر تطفىء غضب الرب تبارك وتعالى } صحيح الترغيب
جربها لتمحو بها الخطايا والسيئات .
جربها لتكون لك وقاية من النار كما قال عليه الصلاة والسلام : { فاتقوا النار، ولو بشق تمرة)
جربها لتكون في ظلها يوم تدنو الشمس من الخلائق .
جربها لتطهر بها مالك .
جربها لتنعم بحياة سعيدة .
جربها لتسعد قلب فقير .
جربها لتفرج كرب مكروب .
جربها لتزيل هم مهموم .
جربها لتشرح صدرك أنت .
جربها لتدخل البركة لبيتك وأهلك .
جربها لتدفع بها البلايا عنك والمصائب .
جربها لتداوي بها مرض ألم بك مرض بدني أو مرض قلبي . قال عليه الصلاة والسلام : { داووا مرضاكم بالصدقة }.
جربها لتكن ذخراً لك ونجاة لك في يوم عصيب مقداره خمسين ألف سنة .
جربها لك أنت ، لا تجربها للتتأكد من فوائدها فهي حتمية ومعلومة ومعروفة ولكن جربها لنفسك طهرة لك وصلاحاً لحالك .
هـٌــدى
قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم ) [ البقرة:254].
نور من السنة
قال عليه الصلاة والسلام :
{ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً } [في الصحيحين]. الجامع].
موقف
قال ابن شقيق: ( سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ )
همسة...نوع في صدقتك بين سر وجهر وراقب الله في عملك حتى لاتخسره .
منقول موقع الشرقية أون لاين 

الخميس، 7 يوليو 2011

( مصـر ) في الإسراء


( مصـر ) في الإسراء  ...عبد القادر أحمد عبد القادر

من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " عن طريق مصر " كان الإسراء .
وفي المسار كانت محطتان في مصر :
- في محطة سيناء نزل النبي – صلى الله عليه وسلم – فصلى ..
- وفي عمق مصر تنفس أريجًا متصاعدًا ..
محطة سيناء :
روى النسائي وابن كثير في تفسيره ،  صليت بطور سيناء صلى الله عليه وسلم : " ثم قال ( جبريل ) : انزل فصلّ . فنزلت فصليت ، فقال ( جبريل ) : أتدري أين صليت؟ حيث كلم الله موسى " .
يحلو لي أن أسمي سيناء " قدس مصر " فهل نراها نحن المصريين كذلك ؟
لقد بوركت مصر بإنزال التوراة على أرضها ... مثلما بوركت بنشأة الأخوين النبيين موسى وهارون – عليهما السلام - في واديها ، ومثلما بوركت بنزول أبي الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – وزوجته سارة – رضي الله عنها - بأرضها ، ومن بعده يوسف وأبواه وإخوته – عليهم السلام – ثم بعد ذلك قدوم ركب السيدة الطاهرة مريم وولدها عيسى – عليهما السلام – وإقامتهما بين المصريين حتى آن الرحيل .
وهاهو الرسول الخاتم ينزل فيصلي على جبل طور سيناء ، فتشيع بركة الإسلام في أنحاء مصر، قبل أن يفتحها عمرو بن العاص .
أريج القبر
ومن عمق مصر، وفي أثناء خطو البراق يستنشق النبي – صلى الله عليه وسلم – عطرًا منبعثًا من الأرض إلى السماء !
روى أحمد والحاكم والبيهقي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولما أسري بي مرت بي رائحة طيبة ، فقلت ما هذه الرائحة ؟
قال جبريل : ماشطة بنت فرعون وأولادها ، سقط المشط من يدها.
فقالت : بسم الله .
فقالت بنت فرعون : أبي ؟
فقالت ( الماشطة ) : ربي وربك ورب أبيك....قالت ( بنت فرعون ) : أولك رب غير أبي ؟!
قالت ( الماشطة ) : نعم ربي وربك ورب أبيك الله ...فدعاها فرعون فقال : ألك رب غيري ؟
قالت ( الماشطة ) : نعم ربي وربك الله - عز وجل .
فأمر فرعون ببقرة من نحاس ( إناء كبير مملوء بالزيت ) فأحميت ثم أمر بها ( بالماشطة ) أن تـُلقى فيها .
قالت الماشطة : إن لي إليك حاجة.   فرعون : ما هي ؟
قالت ( الماشطة ) : تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع .قال فرعون : لك ذلك ، لما لك علينا من الحق .
فأمر فرعون فألقوا واحدًا واحدًا حتى بلغ رضيعًا فيهم ، فقال الرضيع : يا أمه ، لا تقاعسي فإنك على الحق " الحديث صحيح ورواه ابن كثير في تفسيره.

هل يرضى الإخوان بأدائهم الدعوي بعد الثورة ؟


هل يرضى الإخوان بأدائهم الدعوي بعد الثورة ؟.. حازم سعيد
 تذكرت أبياتاً قالها من قبل الشاعر المبدع أحمد مطر يحكى بها حال الزعامات العربية في عصر ما قبل الثورة ، من الذين يجيدون الهتافات الحنجورية من نوعية أننا سنلقي بإسرائيل في البحر أو أننا كام مليون سنجتاحها إن أردنا سيراً على الأقدام ، دون أن يقابل ذلك سلوك في واقع الحياة .
يقول المبدع أحمد مطر :
عباس وراء المتراس ، يقظ منتبه حساس ،منذ سنين الفتح يلمع سيفه ، ويلمع شاربه أيضا، منتظرا محتضنا دفه ، بلع السارق ضفة ،قلب عباس القرطاس ، ضرب الأخماس بأسداس ،(بقيت ضفة) لملم عباس ذخيرته والمتراس ، ومضى يصقل سيفه، عبر اللص إليه، وحل ببيته ،(أصبح ضيفه) قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سيفه ،صرخت زوجة عباس: " أبناؤك قتلى، عباس ، ضيفك راودني، عباس ، قم أنقذني يا عباس" ،عباس ــ اليقظ الحساس ــ منتبه لم يسمع شيئا ،
)زوجته تغتاب الناس(صرخت زوجته : "عباس، الضيف سيسرق نعجتنا" ،قلب عباس القرطاس ،ضرب الأخماس بأسداس ، أرسل برقية تهديد ،فلمن تصقل سيفك يا عباس" ؟"  (لوقت الشدة)  إذا ، اصقل سيفك يا عباس
تذكرت هذه الأبيات أنا وبعض إخواني ونحن نتدبر سوياً حال إخواننا وأداءهم ومشاركاتهم في الفعاليات الإيمانية والتربوية ثم الدعوية والحركية قبل وبعد الثورة ، وتعجبنا سوياً كيف كنا نحلم بزمان الحرية لتعود مناخاتنا وفعالياتنا التربوية والإيمانية ولننطلق سوياً في مجال الحركة والدعوة إلى الله الرحيب بكل الحرية ودون قيود ، ثم لما كشف الله الغمة بهذه الثورة المباركة ، إذا ببعض إخواننا منشغلين بهموم معايشهم وحياتهم ، ومتفرغين عن دعوتهم وعن جماعتهم ، حتى أنك ترى درس ثلاثاء كنا نحلم بعودته ونتنسم عبيره أيام كانت مساجدنا مصادرة وممنوعين عنها ، إذا بنا نرى درس ثلاثاء يفترض أن يحضره المئات إن لم يكن الآلاف من الإخوان بخلاف الدوائر الأخرى ومن يحبنا من خارج الإخوان .. إذا بنا نراه يحضره عشرات من الإخوان بخلاف الآحاد من أهل المسجد الذي يقام فيه الدرس !
هذا المثال مجرد نموذج لنوعية تفاعل كثير من أفراد الصف مع المناخات والأنشطة بعد الثورة ، وهى ما كنا نعده حلماً جميلاً أن تعود مثل هذه المناخات لنرتع فيها !
كان البعض يتذرع بالتضييق والاستضعاف مع أن الله سبحانه قال : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً " .
والآن بعد أن فتح الله لنا ، ويسر لنا كل سبل الحرية والنشاط بلا أي نوع من القيود ، فبماذا نتذرع ؟
هذا الحال استلزم هذه المقالة ، ولإخواني في الله من أبناء دعوة الإخوان أتوجه بها ، عسى أن ينفعنا الله جميعاً بما فيها وتكون حجة لنا – لا علينا - يوم القيامة ، ولعلها تلقى قلوبنا طيعة يغير الله بها من حالٍ إلى حال .
عظم المهمة .. ومن لهذه الأمة الثكلى
الأستاذ البنا وضح لنا مراتب العمل داخل جماعة الإخوان المسلمين ، وجعل على رأس هذه المراتب أستاذية العالم التي تأتي في المرتبة السابعة من العمل بعد إصلاح النفس ثم تكوين البيت المسلم ثم إرشاد المجتمع ، فتحرير الوطن ، ثم إصلاح الحكومة ، فإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ، وأخيراً أستاذية العالم .
ومن يقرأ كل مرحلة على حدة يكتشف عظم المهمة التي يضطلع بها الأخ المسلم ، فالأمر لا يمثل له مجرد النجاة بنفسه من النار ودخول الجنة وهي غاية عظمى بعد مرضاة الرب جل وعلا ، ولكن الفرد المسلم وفق نظرة الإسلام الصحيحة والتي عبر عنها البنا في منهاج الإخوان تقتضى منه العمل لصالح الأمة الإسلامية بما مر من مراتب .
وهى مهمة عظيمة جليلة خطيرة ، لا تنتظر الكسالى ولا القاعدين ، ولا من يعطون دعوة ربهم فضول أوقاتهم ، ولا من ينشغلون عنها بكسب الأرزاق والمعايش ، ويقعدون عن تلك الغايات العظمى .
إن من أعجب العجب أن ينشغل المرء بما أقسم الله – سبحانه – على ضمانه وتوكيد حصوله عليه وأنه ليس من شأنه وإنما هو تدبير للخالق جل وعلا ، حين يقول سبحانه : " وفى السماء رزقكم وما توعدون ، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " .
ينشغل المرء بما ضمنه عما كلف به من عبادة الله والسير في طاعته والدعوة إليه واقرأ قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " .
وتدبر بعين قلبك قول ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس والذى يصلح دستوراً لحياة كل واحد منا : " الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة " .
فهذه هي المهمة وتلك هي الغاية ، أفتراها همة وغاية تنتظر القاعدين أو المنشغلين ؟ لا أعتقد ، ولا يمكن أن أظن .
أما من ينشغل عن الدعوة والإيمان والتربية والحركة بالإسلام بين الناس بشهوة أو معصية ، فله شأن آخر وحديث ليس هذا مكانه ولا زمانه .
 الأجر الذى ينتظر المرابطة..الراشدون من قبلنا قالوا : ( من لمح نور الأجر .. هان عليه ظلام التكليف ) ..ومن قبلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَلا هَلْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا , هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ ، وَقَصْرٌ مُشَيَّدٌ ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا , فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ , فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ " ، قَالُوا : نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " قُولُوا : إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ . صحيح ابن حبان .
وتدبر ذكره صلى الله عليه وسلم للجهاد والحض عليه بعد ذكره الجنة والترغيب فيها .
ألا يكفيك أن تكون أخاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وفق ما رواه أبو هريرة بمسند الإمام أحمد حين قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة فسلم على أهلها قال : " سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أنا قد رأينا إخواننا " ، قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : " بل أنتم أصحابي وأخواني الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطكم على الحوض " ، قالوا : وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ قال : " أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ " ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : " فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء - يقولها ثلاثا - وأنا فرطكم على الحوض ، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم الا هلم الا هلم فيقال انهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحق " . صححه شعيب الأرناؤوط وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أشدّ أمتي لي حُباً ، ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله )) رواه مسلم
أفلا ترغب – أخي الحبيب – أن تكون أخاً للنبي صلي الله عليه وسلم ؟ وكيف تكون أخاً له وقد تكاسلت عن طريقته وهديه ونصرته لدين ربه وجهاده في سبيله وقعدت عن ذلك كله ؟
أفلا تحذر أن ترد عن حوضه ؟ وكيف لا ترد عن حوضه كما يرد البعير الضال ، وقد بدلت طريقته في الدعوة والحركة والجهاد ، وراجع سيرته التي تحفظها عن ظهر قلب لتري كيف كانت قدماه تتشقق من قيامه لليل ، وكيف كان الصحابة يتقون به إذا اشتد الوطيس ، لتعلم كم فرطت وبدلت .
 حراسة النعمة .. والوفاء للشهداء
وهنا أسوق إليك هذه الأبيات فإنها خير معبر عن حالنا مع نعمة الحرية التي وهبها الله لنا على أشلاء إخواننا من شهداء الثورة ، الذين قدموا أرواحهم الغالية – رخيصة وسهلة – في سبيل هذه الحرية :
إذا كنت في نعمة فارعها
فأن الذنوب تزيل النعمْ
وحطها بطاعة رب العباد
فرب العباد سريع النقمْ
 وأي معصية أشد من القعود والكسل والانشغال بعرض الدنيا عن العبادة والطاعة والدعوة والجهاد ونصرة الدين .
انظر لعبد الله بن المبارك وهو يخاطب الفضيل الذى انشغل عن الجهاد بالعبادة ومجاورة الحرم حين عاتبه بالأبيات المشهورة : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب .
فما بالك إذا كنت أصلاً منشغلاً عن العبادة ، وعن المساجد ، ثم عن الدعوة والحركة ؟ فأين قلبك ، ثم أين عقلك ؟
انظر – أخي – إلى الحكمة من مناخ الحرية الذى وهبنا الله إياه بعد طريق طويل خضب بالدماء تخضيباً ، سنوات قهر واعتقال وتضييق في المعايش والأرزاق ، ثم قتلي وشهداء ، ثم تأتى الحرية بعد ذلك ويقدر الله للأمر حكمة يخبرنا عنها في محكم آياته بقوله سبحانه : " قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " الأعراف .
قال القرطبي في تفسيره : " فينظر كيف تعملون أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء ; لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم ; إنما يجازيهم على ما يقع منهم " انتهى .
إنها آية عظيمة تبين بوضوح الفارق بين شهوة النصر وإهلاك العدو ، وبين مسئولية الاستخلاف والإعمار والبناء والعمل لدين الله ، إنها تجذبك من القعود الناجم عن الفرح والنشوة والشهوة ، إلى المسئولية وما ينجم عنها من عبادة وحركة وجهاد .
من جاهد فإنما يجاهد لنفسه .. ورجل القول غير رجل العمل
عندنا حكمة مطردة أن رجل القول غير رجل العمل ، وهذه هي الحكمة الرئيسية من هذه المقالة ، فما أسهل الكلام ، ولكن ما أصعب العمل ، كنا أيام الاعتقالات والتضييق ، نقول : لو أن عندنا مناخات حرية لفعلنا وفعلنا . وهذا هو حال رجل القول .
أما عندما جاء أوان العمل فإنك تعجب من كثرة القاعدين ، لتتأكد الحكمة باختلاف رجل القول عن رجل العمل
يذكرنا ذلك بالسجال المشهور بين أحد التابعين وبين الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضى الله عنه حين قال له التابعي أنه لو رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعل فعالاً في نصرته والذود عنه وحمله عن الأرض حملاً حتى لا يحتاج لأن يمشي عليها – وهو كلام عاطفي ليس إلا - .. فرد عليه الصحابي الجليل بقصته في غزوة الأحزاب وكيف انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ليعلموه عن خبر القوم في ليلة شديدة الريح والظلمة والفزع حتى أن أحدهم لم يكن يستطيع أن يضع " بولته " ، وأن الصحابة – على ما هم عليه من الفضل والمنزلة ورؤية الآيات المعجزة ومعاينتها بأنفسهم - ورغم الترغيب الشديد لم يقوموا إلا عندما انتدب النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بالاسم للمهمة ، وفيها الدلالة الشديدة على أن الكلام سهل ، وأن ميدان القول غير ميدان العمل  والأخيرهو الذى نحتاج لرجاله اليوم .
والحاصل من هذا الكلام أن من يعمل ومن يجاهد فإنما هو المستفيد وهو الذى يفرح ويفوز بحركته ، وهو الذى يخسر بقعوده ، والله سبحانه يقول : " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ، ثم لا يكونوا أمثالكم " ، وهو سبحانه نعم القائل : " وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " .
 البيعة والوقف
أيها الأخ الكريم .. إنها بيعة مع الله عز وجل , ووقف للنفس والمال والأعمار والأوقات للبذل في سبيله ، فهل أنت ممن بايع ووقف ؟
الله سبحانه يقول : " إن الله اشترى من المؤمنين ، أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة "  فهل أنت ممن باع ؟
والله سبحانه يقول : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلاً " فهل أنت ممن صدق ، قضيت أنت مع الشهداء فنعما هي حياة ، أو انتظرت معنا بعد الثورة ، فهل صدقت ولم تبدل ؟
هل تعرف ماذا يعنى أنك بعت لله نفسك ومالك ؟ إنها صفقة بين متبايعين . . اللّه - سبحانه - فيها هو المشتري ، والمؤمن فيها هو البائع .
فهي بيعة مع اللّه لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولافي ماله ليبخل به دون اللّه - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا ، وليكون الدين كله للّه ، لقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم هو الجنة وهو ثمن يربو ويزيد عن السلعة . فهل فعلت ؟
ما هكذا تورد الإبل
أيها الأخ الحبيب ، إن قعودنا بعد الثورة المباركة ، وبعد نعمة الله سبحانه علينا بالحرية ، لهو ورود من غير المورد ، وما هكذا تورد الإبل .
وإن نماذج من سبقنا من الصالحين المجاهدين الذين رابطوا على الثغور .. ثغور الإسلام والعبادة والطاعة والدعوة والحركة والجهاد ، لهى على غير هذا الحال .
وانظر لنبيك الكريم صلى الله عليه وسلم وهو تتشقق قدماه من الوقوف لله في جوف الليل .
وانظر إليه وهو يسافر للطائف على قدميه ويتداعي عليه السفهاء ليدموا قدمه الشريف ، ألم تسمع بوجنته الشريفة وحلقتي المغفر اللتان دخلتا في وجنته في غزوة أحد حتى أخرجهما له أبو عبيدة رضى الله عنه ، ألم تسمع عن حصاره بالطائف وكيف صبر ولم يتوانى ، ألم تقرأ عن ربطه الحجارة على بطنه من الجوع بالأحزاب ، ولم يمنعه ذلك عن جهاده ، ألم تعلم بالأذى الذى ألقاه عليه كفار قريش ببطن الكعبة ، ولم يصده ذلك عن الصدع بدينه ، والجهر بدعوته ؟ أوليس لك في رسول الله الأسوة الحسنة ؟
وانظر إلى صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكيف جابوا البلاد والأمصار ولم يقعدوا في ظل ثمار المدينة بل جاهدوا في سبيل الله ، وما حال أبو أيوب الأنصاري رضى الله عنه منك ببعيد حين طلب من رفاقه في الجهاد أن يوغلوا بجسده ويدفنوه على مشارف القسطنطينية حتى يكون إعذاراً إلى ربه أنه جاهد لأبعد ما يكون الجهاد ، والسلسلة المجاهدة التي لم تقعد في تاريخ الإسلام طويلة ممتدة .
ألم ترافق أو تسمع عن شيوخ الدعوة المباركة التي تنتمى إليها بدءاً من مؤسسها الذى كان يجوب كل البلاد ، حتى قيل أنه كان يصلى الفجر في بلد والظهر في أخري والعصر في ثالثة والمغرب والعشاء في رابعة .
ثم من بعده الصالحين والطيبين الذين رأينا بعضهم ولم يقعدوا أو يتوانوا أو يكسلوا ، وحدثني أخ من الأقاليم عن شيخ من شيوخ هذه الدعوة المباركة ، أحسبه الأستاذ لاشين أبو شنب عضو مكتب الإرشاد والمقيم بمدينة طنطا ، وهو مريض مرضاً مقعداً وصل إلى أن نصفه بالطول مشلول يذهب لموعد بالقاهرة فإذا به وهو هناك يعلم أن الموعد بالإسكندرية وأنه بلغ بأنه بالقاهرة خطاً ، فما كان منه إلا أن أصر على الذهاب للإسكندرية لأنه خرج مرابطاً ويعلم أن ذلك من الرباط .
إذا كان هذا هو حال شيوخ دعوتك المباركة ، فمن أين – أخي الكريم - جئت بهذا الكسل والقعود ..
يا عالي الغاية والمهمة .. لن تصل إليهما إلا بعالي الهمة ...
رزقنا الله وإياكم علماً نافعاً ودعاءاً مستجاباً وعملاً متقبلاً .. آمين..

تحويل القبلة.. أم تحويل النفس؟


تحويل القبلة.. أم تحويل النفس؟

في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حوادث فارقة، ونقاط حاكمة، في توجيه مسيرة الأمة المسلمة، سواءً على مستوى الانتصارات، أو على مستوى الانكسارات، أو على مستويات أخرى مختلفة.
وحادثة تحويل القبلة التي تمرُّ علينا ذكراها هذه الأيام -على القول الأرجح- من الحوادث الفارقة في تميُّز الصفِّ المسلم، وتنقيته من الخبث، تمامًا كما كانت رحلة الإسراء والمعراج، وكما كانت سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه وما تبعها من قتلٍ في الشهر الحرام، وكما كانت غزوة أحد، وكما كانت أحداث الحديبية، وكلها تصبُّ في سياق التطهير وتنقية الصفِّ المسلم.
روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن يتحوَّل قِبَل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم) [البقرة: 143].
وأخرج الإمامان البخاري ومسلم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، قال‏:‏ بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه الليلة، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى القبلة: الكعبة.
ومنعًا من تكرار الحديث وملله حول تحويل القبلة وما دار فيها من لغطٍ وإثارة فتنةٍ من قِبَل اليهود، وهو الحديث الذي طالما نسمعه عند حلول هذه الحادثة، فلن أتطرق لشيءٍ من ذلك، وإنما سأقف وقفاتٍ ثلاثٍ يدور محورها كلها حول منطق "التحويل"، وعلى قدرة أمة الإسلام أن تحوِّل نفسها إلى الوجهة التي أرادها ربها سبحانه، ودعا لها رسولها صلى الله عليه وسلم:
الوقفة الأولى

إن الأمة التي شاء الله تعالى لها أن تكون الأمة الوارثة المستخلفة في الأرض التي تحمل الأمانة وتشهد على العالَمين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143] هذه الأمة أراد لها الله تعالى أن تنفرد بحسٍّ إسلاميٍّ ربانيٍّ مميزٍ، فاتجاه المسلمين إلى بيت الله الأول هو تميزٌ للمسلمين، هو وراثة الفضل من الله تعالى، فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا له بالأمن والرزق والبركة والحفظ لهو السياق الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده عليه السلام مع ربه سبحانه، وهو المنهج الذي يميز أمة الشهادة، فيربطها بأصولها وتاريخها وعقيدتها، ويمنحها القيادة التي خُلقت لها وأُخرجت للناس من أجلها، فلها تميزٌّ في الجذور والأصول، وفي الأهداف والغايات، وفي الراية والوجهة.
وهذه الخصوصية وذلك التميز هو ما كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الله تعالى لأجل الحصول عليه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء) إلى قوله: (فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: 144-150].
إن الخصوصية والتميز ضروريان للجماعة المسلمة، في التصور والاعتقاد، وفي القبلة والعبادة، وفي كل شيء.


الوقفة الثانية
كانت حادثة تغيير القبلة اختبارًا لمدى قدرة الأمة المسلمة على "التسليم" لكل ما يجيء به دينها، ولمدى إمكانية أن تغيِّر ما في نفسها كي تؤمن وتطيع وتلتزم، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) [البقرة: 143].
هذه الطاعة، وذلك التسليم، الذي أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما) [النساء: 65].

وقد نجحت الأمة المسلمة في هذا الاختبار، وفي قدرتها على التسليم وعلى تغيير النفس حين استسلم الصحابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فما جادلوا، ولا تلجلج الإيمان في قلوبهم، بل إنهم من كمال استسلامهم أن تحولوا إلى القبلة وهم يصلون، ولم ينتظروا الصلاة التالية.
الوقفة الثالثة
كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ويعدونه عنوان مجدهم، ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرةٍ، وكل عصبيةٍ لغير منهج الله تعالى، ذلك المنهج المجرد من كل علاقةٍ تاريخيةٍ أو عنصريةٍ، بل وأرضية، فقد انتزعهم من الاتجاه إلى البيت الحرام، وشاء لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى لفترةٍ ليست بالقصيرة، وما ذاك إلا ليخلِّص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليعلم من يتبع الرسول اتباعًا مجردًا من كل إيحاءٍ آخر، اتباع الطاعة والرضى والتسليم، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازًا بنعرةٍ جاهليةٍ تتعلَّق بأيِّ شيءٍ كان؛ جنسٍ أو قومٍ أو أرضٍ أو تاريخ، أو حتى تتلبس بها في خفايا النفوس والقلوب.
ثم لمَّا خلصت النفوس وجَّهها الله تعالى إلى قبلةٍ خاصةٍ تخالف قبلة أهل الديانات السماوية الأخرى تخليصًا لها من خرافات انحرافات هذه الديانات، وهو ما أغرى "السفهاء" منهم بالاعتراض والتشكيك، وردَّ الله تعالى كيدهم وجهلهم: (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 142].
وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها "كبيرة": (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) [البقرة: 143]، غير أنها ليست كذلك على الذين هدى الله تعالى، فمع الهدى لا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها أي رداءٍ سوى الإسلام، وأن تنفض عنها رواسب الجاهلية، وأن تتجرد لله تعالى تسمع منه وتطيع، وحيثما وجهها الله تعالى تتجه.
أراد الله تعالى لنفس المسلم أن تتخلَّص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها، وأن تتجرد من كل شعار اتخذته في الجاهلية، فبدأ توجيهها إلى قبلةٍ تخالف قبلة العرب تخليصًا لها من ارتباطها بالجاهلية، ثمَّ عاد وخصَّها بقبلةٍ تخالف قبلة أهل الديانات السماوية الأخرى، تنقيةً لها من التحريف والتزوير.
هكذا تعاملت الأمة المسلمة مع حادثة تحويل القبلة، وتعاملنا اليوم مع هذه الحادثة يجب أن يكون بمنطق "التحويل" الذي حدث بسببه تحويل القبلة: أن نخلع عن أنفسنا كل ما يعوق التزامنا بتعاليم ديننا، ألاّ تمنعنا أية وشائج من أن نكون كما أراد الله تعالى، أن نملك اليقين والطاعة والتسليم أمام كل ما يأمرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن نغلِّب ذلك كله على جنسنا وأرضنا وأهلنا ونسبنا والناس أجمعين، أن ينفرد الإسلامُ في حِسِّنا، وأن لا ينازعه في ذلك أحد أو جهةٌ أو كيان.
وعندما نفعل ذلك نعود لأمة التميز والخصوصية، والريادة والقيادة، والشهادة على العالَمين.
لقد كان لحادثة تحويل القبلة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الأمة المسلمة في داخلها، وفي علاقاتها مع الآخرين، وهكذا يجب أن يكون لهذه الحادثة اليوم آثارها في نفوسنا وفي علاقاتنا بالآخرين: (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) [البقرة: 143].
إنها لم تكن حادثة تحويل قبلة قدر ما كانت حادثة تحويل نفس.

الاثنين، 21 فبراير 2011

حرية الرأي في الحضارة الإسلامية


حرية الرأي في الحضارة الإسلامية
أسفل النموذج
د. راغب السرجاني
تعني حريَّة الرأي في الحضارة الإسلامية حقَّ الفرد في اختيار الرأي الذي يراه في أمر من الأمور العامَّة أو الخاصَّة، وإبداء هذا الرأي وإسماعه للآخرين، وهي حقُّ الشخص في التعبير عن أفكاره ومشاعره باختياره وإرادته؛ ما لم يكن في ذلك اعتداءٌ على حقِّ الآخرين.

حرية الرأي من حقوق المسلم
وحرية الرأي في الحضارة الإسلامية حقٌّ مكفولٌ للمسلم وثابتٌ له؛ لأن الشريعة الإسلامية أَقَرَّتْهُ له، وما أَقَرَّهُ الشرع الإسلامي للفرد لا يملك أحدٌ نَقْضَهُ أو سلبه منه أو إنكاره عليه، بل إن حُرِّيَّة الرأي واجب على المسلم لا يجوز أن يتخلَّى عنه؛ لأن الله تعالى أوجب عليه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمكن القيام بهذه الواجبات الشرعية ما لم يتمتَّع المسلم بحقِّ إبداء الرأي وحريته فيه، فكانت حرية الرأي له وسيلة إلى القيام بهذه الواجبات، وما لا يَتَأَتَّى الواجب إلاَّ به فهو واجب.

وقد أجاز الإسلام حرية الرأي في كافَّة الأمور الدنيوية؛ مثل الأمور العامَّة والاجتماعيَّة، وفي مثال يُجَسِّد ذلك، ما ظهر من سعد بن معاذ وسعد بن عبادة -رضى الله عنهما- حين استشارهما الرسول
في مهادنة غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى يخرجوا من التحالف يوم غزوة الأَحْزَاب.

 عن أبي هريرة t قال: جاء الحارث الغطفاني إلى النبي
فقال: يا محمد، شاطرنا تمر المدينة. قال: "حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ". فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود y، فقال: "إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الْـحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْـمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ". قالوا: يا رسول الله، أوحيٌ من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك، فرأينا تبع لهواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا؛ فوالله! لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا بشرى أو قرى[1].

النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من النصوص التي وردت في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قول الله تعالى: {وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ} [التوبة: 71]، وقول الرسول
: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "للهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْـمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ"[2].

قال الإمام النووي[3] في شرحه لهذا الحديث: "وأمَّا النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحقِّ، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ونهيهم عن مخالفته، وتذكيرهم برفق، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين"[4].

كما قال الرسول
: "لا يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ"[5]. وقال أيضًا: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"[6].

وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم تمتُّعُهُمْ بحرِّيَّة الرأي؛ وحيث قد أمرهم الله بهذا الواجب، فهذا يعني مَنْحهم حقَّ إبداء رأيهم فيما يَرَوْنَه معروفًا أو منكرًا، وفيما يأمرون به وينهون عنه، وكذلك واجب المشاورة على ولي الأمر يستلزم تمتُّع مَنْ يُشَاورهم بحرية إبداء آرائهم.

وقد طُبِّقَتْ حرِّيَّة الرأي على طُولِ التاريخ الإسلامي تطبيقًا رائعًا؛ فهذا الصحابي الجليل الحباب بن المنذر t يُبْدِي رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بَدْر على غير ما كان قد رآه النبي
، فيأخذ النبي
برأيه، كما أبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك، وكان منهم مَنْ أشار على النبي
بتطليق زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها، إلاَّ أن القرآن بَرَّأَهَا، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي كان الصحابة ومن جاءوا بعدهم يُبْدُونَ فيها آراءهم.

هذا، وإذا كانت حُرِّيَّة الرأي والتعبير عنه وإبداؤه من الحقوق المُقَرَّرَة في الشريعة الإسلامية، فلا يجوز إيذاء الشخص لقيامه بإبداء رأيه؛ لأن الشرع أَذِنَ له بذلك، وقد رَدَّتِ امرأةٌ على عمر بن الخطاب وهو يخطب في المسجد في مسألة المُهُورِ، فلم يمنعها، بل اعترف بأن الصواب معها، وقال قولته: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"[7].

الأمانة والصدق في إبداء الرأي
وممَّا ينبغي للمسلم وهو يستعمل حقَّه في إبداء رأيه أن يتوخَّى في ذلك الأمانة والصدق؛ فيقول ما يراه حقًّا، وإن كان هذا الحقُّ أمرًا صعبًا عليه؛ لأن الغرض من حرية الرأي إظهار الحقِّ والصواب وإفادة السامع به، وليس الغرض منه التمويه وإخفاء الحقيقة، وأن يَقْصِدَ بإعلام رأيه إرادة الخير، وأن لا يبغي برأيه ولا بإعلانه الرياء أو السمعة، أو التشويش على المُحِقِّ، أو إلباس الحقِّ بالباطل، أو بخس الناس حقوقهم، أو تكبير سيئات ولاة الأمور، وتصغير حسناتهم، وتصغير شأنهم، والتشهير بهم، وإثارة الناس عليهم؛ للوصول إلى مغنم.

وعلى هذا تكون حرية الرأي كما أَقَرَّتْهَا الشريعة الإسلامية، وهي بذلك وسيلة مهمَّة من وسائل التقدُّم الحضاري، كما أنها وسيلة للتعبير عن الذات.

د.راغب السرجاني

[1] رواه الطبراني: المعجم الكبير (5416)، وقال الهيثمي: ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 6/119، وانظر: ابن القيم: زاد المعاد 3/240.
[2] مسلم عن تميم الداري: كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (82)، وأبو داود (4944)، والنسائي (4197)، وأحمد (16982).
[3] النووي: هو أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، محيي الدين (631- 676هـ/1233- 1277م): علامة بالفقه والحديث. مولده ووفاته في نوا بسوريا وإليها نسبته. من أشهر كتبه: المنهاج في شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين. انظر: البداية والنهاية 13/278، والزركلي: الأعلام 8/149.
[4] النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/38.
[5] الترمذي عن أبي سعيد الخدري: كتاب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النبي
أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة (2191)، وابن ماجه (3997)، وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (168).
[6] الترمذي عن أبي سعيد الخدري: كتاب الفتن، باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (2174)، وأبو داود (4344)، والنسائي (4209)، وابن ماجه (4011)، وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع (2209).
[7] انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 5/95.

مشروعية الثورة السلمية على الظلم وحرمة الاعتداء على المشاركين فيها..



مشروعية الثورة السلمية على الظلم وحرمة الاعتداء على المشاركين فيها..
أ.د. عبد الرحمن البر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه، وبعد؛
فقد تحدث إليَّ عدد من الإخوان والمثقفين وبعض الصحفيين يسألونني الرأي فيما ينسب إلى بعض الشيوخ من الإفتاء بحرمة الحركة المباركة التي قام بها شباب مصر الطاهر من التظاهر أو الدعوة لإقالة رئيس الجمهورية، واعتبار الحديث عن فساد النظام المصري، ودعوة جماهير الأمة إلى رفض ظلمه واستبداده بكل الوسائل السلمية المشروعة بمثابة دعوة صريحة لمواجهة ولاة الأمر، والقول بأن فيها شقا لعصا الناس في مصر الذين يعيشون تحت ولاية حاكم مسلم متغلب وصاحب شوكة تمكنه من إدارة البلاد، وأيًّا كان حاله في نظر البعض فهو الحاكم الذي يجب السمع والطاعة له في المعروف، وبالتالي لا يجوز لأحد التظاهر ضده أو المطالبة بعزله، واعتبار ذلك من الخروج على الإمام، وهو أمر غير جائز شرعا، بل قال بعضهم: إن فاعل ذلك يستحق المعاقبة.
ويستدل أولئك الشيوخ بحديث نبوي أخرجه الإمام مسلم في كتاب: الإمارة، باب: حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع 3/1479 رقم (1852)، وفيه: عَنْ عَرْفَجَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».
وفي رواية: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهْىَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ».
وقد رأيت من الواجب عليّ وعلى أهل العلم ألا يسكتوا على مثل هذا الخطل والخطأ، وأن يبيِّنوا الحق للناس ولا يكتموه، عملا بما أوجب الله على أهل العلم {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران/187] وحتى لا يسيءُ مثل هذا الفهم المغلوط إلى علماء الإسلام
فهذا التوصيف والاستنباط في غاية الخطأ، إذ معنى الحديث المشار إليه بوضوح: إذا اجتمعت الأمةُ على كلمةٍ واحدة في الحق، ورضي الناسُ إمامَهم، وجاء أحد من الناس ينازعه وينازعهم، ويحمل سلاحه في الخروج على إجماع الأمة فإنه يقتل، درءاً لشره ووأْداً للفتنة التي يريد أن يبعثها.
وهذا المعنى قد جاء في أحاديث كثيرة، تدعو إلى الصبر على الإمام الجائر، وعدم الخروج بالسيف عليه، ولكنها تتيح للأمة أن تسعى في تغيير هذا الجائر بالوسائل المشروعة إذا لم يستجب للنصيحة، ولم يعدل عن المنكر الذي يأتيه، باعتبار الأمة هي مصدر الشرعية لحكمه ، وهي صاحبة الحق الأصيل في بقائه أو رحيله.
ومن هذه الوسائل المشروعة ما يجري من انتخابات واستفتاءات، وما يتم من مظاهرات وعصيان مدني سلمي ونحوها، ما دام ذلك كله يتم بعيدا عن العنف وحمل السلاح، فإن لم يستجب الظالم للنصح والإرشاد جاز للأمة أن تقوم بعملية الخلع والاستبعاد له من خلال الوسائل المشروعة التي ذكرناها من غير استخدام للعنف ولا حمل للسلاح، وهذا ما فعلته حركة الشباب المباركة المنصورة بإذن الله.
فإذا حملت طائفة من الناس السلاح وخرجوا على الناس وأرادوا الإفساد في الأرض جاز قتالهم وهم الذين يُسَمَّوْن (البغاة).
فهل يدخل في البغاة المعارضون السياسيون أو ما يعرف في هذه الأيام بأحزاب المعارضة وحركات الاحتجاج؟
يدرك من له أدنى إلمام بالشريعة ومقاصدها أنه لا يدخل في البغاة مَنْ يُسَمَّوْن بالمعارضين من الأفراد أو الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة لنظم الحكم، ولا من ينصح أو يوجه أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، سواء وافق الإمام على قيامه بذلك أو لم يوافق، فذلك من النصيحة الشرعية المأمور بها، وهي سبب من أسباب خيرية هذه الأمة، وليس لأحد كائناً من كان أن يمنع أحداً من التعبير عن رأيه، طالما لم يخرج بسيفه، وخصوصا إذا لم تكن كلمةُ الأمة مجتمعةً على هذا الحاكم.
بل لو أمر الإمامُ بمعصية فلا سمعَ له فيما أمر ولا طاعة، فلاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، ففي الصحيحين من حديث  عَبْدِ اللَّهِ بن عمر  رضي الله عنهمعَنِ النَّبِيِّ  صلي الله عليه وسلم قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ»، وفي الصحيحين أيضا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»>
فلا يجوز طاعتُهم إذا أمروا بتزوير الانتخابات، أو بضرب الناس أو تعذيبهم بغير سند من الشريعة والقانون، ولا يجوز تنفيذ أوامرهم بضرب المتظاهرين بالرصاص الحي أو المطاطي أو القنابل المسيلة للدموع، ونحو ذلك من المظالم التي قد يأمر بها الظلمة فينفذها الجنود بحجة السمع والطاعة لولي الأمر، دون التفات إلى قول الله تعالى {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود/113].
بل أوجب الإسلام نصيحة الحاكم والمحكوم، واعتبر ذلك صلب الدين، ففي صحيح مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
ولم يزل ذلك دأْبَ كثير من الصحابة والتابعين وأهل العلم على مرور الأيام وتعاقب الدول، إذ مارس كثير منهم هذا الواجب، فنصحوا الولاة والأمراء، وجهروا أمامهم بالحق، وعارضوهم في كثير مما أبرموا.
ولذلك فلا بأس من معارضة أولي الأمر بل يجب ذلك إذا أخطؤوا، ويجب تنبيههم ونصحهم والإنكار عليهم فيما خالفوا فيه أمر الله وأمر رسوله صلي الله عليه وسلم، أو ضيعوا فيه مصلحة الأمة، أو قصروا في حماية الأوطان، أو بددوا ثروات الأمة، أو أساؤوا للناس، أو غير ذلك من المنكرات التي قد تدفعهم إليها الحمية لآرائهم والتعصب لوجهات نظرهم مع ثبوت خطئها وفسادها، والقيام بهذا الواجب هو لون من ألوان التعاون على البر والتقوى.
نعم ينبغي أن يتم ذلك من غير إهانة لهم أو تطاول عليهم أو خروج بالسيف عليهم أو احتشاد لقتالهم، فإن الإمام الغشوم خير من الفتنة التي تدوم، واحتمال العدل مع استقرار أمور الأمة ممكن، بخلاف الحال إذا تقاتلت الأمة وخرج بعضها على بعض بالسيف، فالفتنة عمياء دهماء لا يفرق الناس فيها بين الحق وبين الباطل، والله أعلم.
ونعم الأفضل أن يكون ذلك سرًّا إذا كان الوصول إلى الحاكم الجائر ممكنا، وكان نصحه متيسرا، وكان قبوله للنصيحة مرجوّاً، لما رواه أحمد عن ‏‏هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ،‏ ‏عن رَسُولِ اللَّهِصلي الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَح لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ». وذلك ما فعله أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا.
لكن لم يمنع الإسلام من إعلان هذه النصيحة متى كان الخطأ شائعا والضرر واقعا على العامة، بل أوجب الإسلام إعلان النصيحة والإنكار على الظالم إذا تجاوز حدود الشرع في تأديب المخطئين، ففي صحيح مسلم: عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ(يعني يعذبون بذلك) فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ (يعني تأخروا في دفعه أو ماطلوا في ذلك). فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». على أن هشاما لم يكتف بهذا الإنكار العلني، بل ذهب إلى الأمير الذي فعل ذلك فنصحه فانتصح، ففي رواية عند مسلم أيضا: وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا.
وهذا كله كان يحصل حين كان الأئمة مستمسكين بأهداب الدين، وكانت الشريعة مطبقة، والأوطان محروسة، والحدود مرعية، وحقوق الناس مصونة، والفساد في الرؤوس مقصور على القصور، فكيف وقد صار الفساد للركب، بل للأذقان على حد تعبير أحد أساطين النظام الحاكم؟.
إن ما يفعله الشباب وغيرهم من الوطنيين المخلصين من مختلف طبقات الشعب وقواه السياسية وفئاته وأطيافه المختلفة من التظاهر السلمي المطالب بإزالة النظام الفاسد ورحيل الحاكم الجائر الظالم بأسلوب سلمي حضاري راق أقرته المواثيق الدولية والدساتير المحلية لهو من صميم ما تدعو إليه شريعة الإسلام التي جاءت بالعدل والرحمة ورعاية مصالح الأمة، وأوجبت التعاون على البر والتقوى، وحددت خيرية الأمة في قيامها بواجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبرت الصدع بالحق في وجه السلطان الجائر من أعظم ألوان الجهاد.
فلو تعدى السلطان الجائر متذرعا بمثل هذه الفتوى الرديئة فقتل هذا الناصح الصادق المخلص فإنه يكون سيد الشهداء، فقد أخرج  أحمد وغيره عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: «أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلاَ إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»
وفي رواية عند أحمد بأسانيد صحيحة: «أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلاَ يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ».
كما أخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ (يعني وهم خارجون للجهاد في سبيل الله): أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».
وأخرج الحاكم وصححه الألباني عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم  قَالَ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ».
ولم يزل أهل العلم يعظِّمون العلماء الناصحين الذين اشتهروا بالجرأة في وعظ الحكام والسلاطين، بل وُصِف العز ابن عبد السلام بسلطان العلماء لمواقفه القوية الرائعة من أمراء المماليك الذين اضطروا للخضوع لما نادى به حين رأوا صدقه وجرأته ودعم جماهير الأمة له، وقد أخرج أحمد والبزار وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنهم قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الْظَالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ؛ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ» ومعنى (فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ) أي استوى وجودهم وعدمهم.
وأخرج أبو داود عن أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه أنه قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ». وفي رواية: وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ». وفي رواية: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى هُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ».
وأخرج أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهِ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ». ثُمَّ قَالَ {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} إِلَى قَوْلِهِ {فَاسِقُونَ} ثُمَّ قَالَ «كَلاَّ وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا».
بعد كل هذا وغيره مما لا يتسع مقال واحد لسرده: هل يجوز أن يقول السلبيون المتخاذلون لمن قام ينكر الظلم والتزوير والفساد والاستبداد بلسانه وقلمه، ويواجه الظالم بكلمة الحق، ويدعو الأمة إلى التعاون في القيام بهذا الواجب الشرعي: إنه خارج على الأمة، أو إنه يريد أن يشق صف الأمة؟ تالله إن هذا لهو الظلم المبين.
كيف وقد اعترف النظام على لسان رئيسه ومختلف أركانه بعدالة المطالب التي نادى بها المتظاهرون ومشروعيتها، وبحقهم الدستوري والقانوني في التعبير عنها بهذه الوسيلة الحضارية الراقية التي أعادت رسم صورة الشعب المصري الأصيل الحقيقية الناصعة المجاهدة أمام شعوب الدنيا، حتى رأينا الملايين من الشباب والفتيات في زحام شديد دون أن تحصل حالة تحرش أو تقع جريمة واحدة.
وقد كان أوْلَى بأولئك الشيوخ أن يقوموا بهذا الواجب، فينكروا على الحاكم الظالم ما يمارسه من تسليط الشرطة والبلطجية على الناس، وينكروا أمره بقتل البرآء العزَّل، ويذكِّروا أولئك الفاسدين بحرمة الدماء وتعظيمها، ويبيِّنوا لرجال الشرطة وغيرهم وجوبَ معصية الحاكم الظالم حين يأمرهم بقتل الناس بلا سند من شرع أو قانون، وكان أوْلى بهم أن يدْعوا عمومَ الأمة لرفع صوتها بكلمة الحق وعدم قبول الضيم أو الاستكانة للظلم
ولا يُقيم على ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ         إلَّا الأذلَّان: عِيرُ الحيِّ والوتَدُ
هذا على الخَسْفِ مربوطٌ برُمَّتِه             وذَا يُشَجُّ فما يَرْثِي له أحدُ
وحتى لو أن القائم بنصيحة الحاكم أخطأ في حقه وأساء إليه فلا يبيح الإسلامُ أن تبلغَ عقوبتُه حدَّ قتله أو الدعوةَ لقتله أو تسليط الشرطة والبلطجية عليه للنَّيْل منه، فالوحيد الذي يستوجب سبُّه القتل هو رسولُ الله صلي الله عليه وسلم، وهذا الحكمُ من خصائصه، وليس لأحدٍ من الأمة كائناً مَنْ كان أن يجعلَ لنفسه أو أن يجعلَ الناسُ له مثلَ ما كان لرسولِ الله صلي الله عليه وسلم من الأحكام، بحيث يُعَدُّ سَبُّه مُوجِباً لقتلِ السابّ، حتى لو كان الصديقَ أبا بكر رضي الله عنه أفضلَ الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم والذهبي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: مَا الَّذِي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: أَكُنْتَ فَاعِلاً لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لاَ وَاللَّهِ مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه وسلم.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلاً إِلاَّ بِإِحْدَى الثَّلاَثِ الَّتِي قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ. وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم أَنْ يَقْتُلَ.
فهذا واضح من الصديق رضي الله عنه في اختصاص النبي صلي الله عليه وسلم بقتل مَنْ يسُبُّه أو يُسِيء إليه، وعدمُ جواز ذلك لأحدٍ من البشر بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم أيّاً كانت رتبتُه ومكانتُه.
ولا يعني هذا إطلاقَ العَنان للناس ليسُبَّ بعضُهم بعضًا، أو ليتجرأَ العامَّة على أُولى الأمر، وتقتحمَ الجماهيرُ أعراضَ الحكام وأصحابَ السلطان، بل تتكفل الأحكامُ الشرعيةُ بردعِ كلِّ مَنْ يعتدي على أعراض الناس أو رميهم بالإثم والبهتان، ومن ثَمَّ شُرِع حدُّ القذفِ لصيانةِ الأعراض، وحمايةِ المجتمعِ من شيوع الفاحشة فيه، وإن كان دون القذف فيمكن تعزيزه بعقوبة مناسبة .
لكن غاية الأمر: أن السب أو الشتم - وإن كنا ننكره - لأي شخص - فضلا عن الاعتراض على أفعاله والمعارضة لسياساته- لا يصح أن يكون سبباً لقتله أو تسليط البلطجية عليه على الإطلاق، سواء كان المعتدَى عليه من أشراف الناس أوسُوقتهم، رئيساً كان أو ملكاً أو زعيما أو شخصاً عادياً، ولا يصح أن تتضمن الدساتير والقوانين الحاكمة نصوصاً تلحق الزعماء بالأنبياء، بَلْهَ أن تتضمن نصوصا تلحقهم أحيانا بالله عز وجل، وتجعل لذواتهم من التقديس ما لا يليق إلا بالله وحده، والله أعلم.